قصّة قصيرة من كتابي "الرحيل"
المصيـــــــــــــــــر
كانت في الرّابعة عشرة من عمرها ، لم يكتمل عودها بعد ، لم تكن تعرف من الدّنيا إلّا الضيعة التي ولدت فيها وترعرعت ، وذلك البيت الآيل للسقوط الذي كانت تسكنه مع أمها وأخويها . أمّا أبوها فكان يُمضي نهاره ومعظم ليله متسكعا بين المقاهي ، فلم تكن تلمحه إلا لماما عندما يطلّ على أمّها ليقضي منها وطرا ، ويبتزّ نقودا شقيت في الحصول عليها من عملها المضني في المزارع .
قدم أبوها ، ذات يوم ، مصطحبا رجلا أنيقا تبدو عليه سمات التحضر والغنى ، اختليا بأمها حينا لتخرج بعد ذلك بوجه مكفهرّ تعلوه صفرة ، وأسرّت إلى ابنتها تنبئها بأنها ستصطحب الرجل الغريب لتعمل معينة منزلية عند زوجته في المدينة
لم تتح لها فرصة استيعاب الأمر ، ولا تسنّى لها النظر مليّا في وجهي أخويها ، وجمعت على عجل خرقها البالية ، وانصرفت مع الرجل الغريب . لتفارق أهلها بلا وداع ، وتودّع أمها بلا سلام .كان ذلك أقرب إلى صدمة عنيفة منه إلى فراق
حاول الرجل ، والسيارة تطوي الأرض طيا ، أن يخرجها من صمتها ، ولكنه عدل عن ذلك لمّا لاحظ أنها غارقة في شرودها ، فتركها لعالمها.
كان يدرك أنها تركت وراءها عالمها الصغير المليء بالذكريات البريئة ..
كانت الدموع تنهمر في صمت من عينيها ، وضجيج يملأ رأسها الصغير ، وصوت بداخلها يعلو صارخا متسائلا في حيرة : " كيف هنت عليهم ؟ وكيف طاوعتهم قلوبهم أن يلقوا بك إلى المجهول ؟ " .. ولم تدرك وقتها أنه لم يكن لأمها خيار في ذلك ، وأنّها فعلا كانت مغلوبة على أمرها ..
ومنذ تلك اللّحظة أحسّت أنها فقدت كلّ سند لها ، وأدركت حينها أنّها تُركت لمصير مجهول ومستقبل غــامض ...
فريدة غزال

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق