حكاية لعنة
بقلم/ ندى عبد الله
حان وقت الذهاب ليصمت الألم للأبد.. تمنى أن يأتي ليصفح عنه ويعطيه صك الغفران والرضا.
في أوائل السبعينيات.. وشت بمدينة تتبع وسط الدلتا.. حين تسربت بعض الحكايا بين أهل المدينة عن لعنة الأب الذي غضب على ابنه ولعنه، فأصابت الابن بلعنة عانى فيها الاحتضار.. نظرات الابن للجموع وعيونهم تنزح بالدموع في تساؤل.. كيف خرجت عن طوع أبيك حتى يغضب كل هذا الغضب؟ .. وتعيش أنت الحياة منبوذًا فيها بسبب لعنته؛ التي بها أصبت وأنت في ريعان شبابك؟ وكيف نداوي الذي كان؟.
صبرا بني.. إنك لم تخطئ في اختبارك.. بل وفقك الله، وزدت حبا بين الناس وجاها.. تشجع.. استغفر ربك حتى يتبين لك..
ويعفو عنك.. تُب إلى الله.
الأم تحتضن ابنها المنبوذ.. تخبره أنها راضية عنه وعن فعلته وما أصاب.. تتحشرج الروح بالجوف ليتشاهد عليه القوم.. الروح ترفض الإفضاء لبارئها.. صرخت الأم في أوجاع: ولدي.. راحت تجر قدميها، والدمع كالغبار، والضباب يعتم الرؤيا.. صار طريقا بالهذيان يئن.. حتى ارتمى الجسد في إعياء.. أمسكت بأقدام الزوج الغضبان: هذا ابنك، أول من رأت عيناك، أول من ناداك أبى، هو أكبر أولادك وأحبهم لروحك، كيف جاءت قسوة قلبك، كيف تتركه بكل تلك المعاناة، اذهب إليه، انظره، ارضَ عنه، سامحه، الروح بالحلقوم ترفض الخروج، أنت مَن سميته منبوذا، هو الذي كان يتمنى رضاك.
تدحرجت دمعة بالأهداب خشي أن تراها زوجته.. قال لها: اذهبي يا أم الكبير.. الذي خرج عن طوعي، وتحايل بالتلاعب.. كيف يرتضي أن يأكل من مال بوضع يده على شيء لا يحق له، وكيف بالعيش يستطاب.. لم يخبرني ويشورنى.. أنا أبوه.. ماذا يقول لله عن فعله؟.. لم أكن راضيا عند نطقها، أو أن يصير ابني منبوذا بين الخلق.. وهم يحبونه!.. إني رضيت عنه إن صح جوابه.
فرحت الأم بالرد، واستبشرت حسن الختام لابنها .. تركت قبلة على رأس زوجها الذي أراد الإصلاح، ولم يرضَ الشتات، حتى لا يسود الجفا بين أولاد العائلة.. فتذكرت حين طلب من أبنائهم، أثناء التشاجر مع جيران، استحوذوا على قطعة أرض لهم، يومها ذهب الأخ وحده يطالبهم باسترداد الأرض، وأن يخلوها من عتادهم، فنهروه باستفزاز حتى رموه بالعتاد.. حينها جمع الأب أولاده وقال اذهبوا هاتوا أخاكم وكونوا بالجوار.. وانتهت بحبسهم جميعا بمخفر الشرطة.. وكان الفصل بالعدل الذي أرجع الأرض.. وتعلموا أن جمع شملهم هو القوة، وليس بالعتاد.
جرت الأم بلهفة على ابنها تقبله وفي أذنه أخبرته بما قال والده وعليه الرضا والسلام.. تنبه الابن الذي اغتسل وجهه بالدموع، وعيناه تتصلب على وجه السماء.. لم تمر لحظات حتى تحرك لسانه في تلعثم بكلمات الشهادة .. فاضت الروح لربها.. فأطلقت الأم زغاريد العفو وقالت اذهب ابني لربك وأخبره أنك عين أبيك.. هو راضٍ عنك، وقلبي يشهد، والعباد. تلقت العائلة في أخيهم العزاء، ولم يحضر الأب بيت ابنه المتوفى.. حتى نقلت الأم ما حدث أثناء الوفاة.. خرج الأب لمكان بالمدينة فيه يتلقون العزاء.. نصب أكبر صوان.. أتى بالمقرئين.. وزع الذبائح علي أهل المدينة.. لتفرح الأهالي بعفو الأب وتسامحه.. هو الرجل الحق، نعم الرجل الصالح مع أهله.. في حين جلست الأم تتلقى العزاء من نساء العائلات. سرحت مع ذكريات ابنها كم كان جميلا.. وجهه الأبيض الممزوج بحمرة الخدود والوجنات، المبتسم دوما، سريع الذكاء.. كان إذا انتهى من عمله مع أبيه بالكتابة في مقر والده الذي يعمل رجل أعمال، ويساعد أهل المدينة في قضاء مصالحهم، ووقف حقن الدماء بينهم حين أي اختلاف .. كان الابن يمر بشوارع المدينة على دراجته، حيث يساعد الناس، وأثناء قيام الحكومة ببناء محطة للقطار، تشمل مبنى انتظار، ومبيتًا للعاملين.. التزم الابن بأن يأتي لهم بما يطلبون من معدات ومواد بناء.. ومكث على خدمتهم حتى قام ببناء مبنى صغير على حسابه بجوار المحطة، كاستراحة مؤقتة للعمال.. وكان له حجرة خاصة به.. وأثناء جلوسه مع مهندس أشغال المحطة أخبره المهندس أنه يحق له أخذ الاستراحة لنفسه، وسداد حق الأرض للحكومة.
جالت في نفسه الفكرة، وكيف لا يتم استغلالها لصالحه وللبلد؟.. بدأ في إعادة بنائها على أتم وجه، ولم يخبر والده ولا زوجته التي تعيش في بيت العائلة حتى استقر وأكمل البناء من دورين جاهزين للمعيشة، الأول لمقابلة الناس، والثاني له، ليخرج من العائلة.
عندها علم الأب بما فعله طلب منه ترك المبنى، ووضعه لعامة الناس، ولا يكون له صلة بهذا المبنى، وأنه تحايل بوضع اليد؛ مما يجعل الناس تتفرق وتسعى لامتلاك ما ليس لهم.
حاول الابن إقناع والده.. فاتهمه بالرد عليه في صوت حاد النبرات.. من هنا كان الخلاف، حتى انصدمت العائلة بلعن الأب لابنه، ليظل منبوذا.. مصابًا بلعنته.. التي جعلت الحرارة تمسك في بطنه الشهور، وعجز الأطباء في خفضها.. مما أدى إلى تدهور حالته.. حاول إرضاء والده.. لكنه عجز.. أرسل إليه من كانوا يحمل والده لهم معزة خاصة.. لكنهم حملوا من الأب موقفا وتفرقا.. أفاقت الأم على صوت أبنائها يمسحون على يديها ويقبلون رأسها.. فأخبرتهم أن اذهبوا وكونوا بجوار أبيكم ولا تتركوه لحظة.. هو أعلم بمصالحكم، الله يرضى عنكم.
ندى ندي عبد الله


ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق